أبي حيان الأندلسي

148

البحر المحيط في التفسير

وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ : درجة ثانية للنبوة ، فرب نبي ليس برسول . وقيل : الحكم : العلم والفهم . وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ : وتلك إشارة إلى المصدر المفهوم من قوله : أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ؛ وذكر بهذا آخرا على ما بدأ به فرعون في قوله : أَ لَمْ نُرَبِّكَ . والظاهر أن هذا الكلام إقرار من موسى عليه السلام بالنعمة ، كأنه يقول : وتربيتك لي نعمة عليّ من حيث عبدت غيري وتركتني واتخذتني ولدا ، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي . وإلى هذا التأويل ذهب السدّي والطبري . وقال قتادة : هذا منه على جهة الإنكار عليه أن تكون نعمة ، كأنه يقول : أو يصح لك أن تعتد على نعمة ترك قتلي من أجل أنك ظلمت بني إسرائيل وقتلتهم ؟ أي ليست بنعمة ، لأن الواجب كان أن لا تقتلني ولا تقتلهم ولا تستعبدهم بالقتل والخدمة وغير ذلك . وقرأ الضحاك : وتلك نعمة ما لك أن تمنها ، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل ، وهذا التأويل فيه مخالفة لفرعون ونقض كلامه كله . والقول الأول فيه إنصاف واعتراف . وقال الأخفش : والفراء : قبل الواو همزة استفهام يراد به الإنكار ، وحذفت لدلالة المعنى عليها ، ورده النحاس بأنها لا تحذف ، لأنها حرف يحدث معها معنى ، إلا إن كان في الكلام أم لا خلاف في ذلك إلا شيئا ، قاله الفراء من أنه يجوز حذفها مع أفعال الشك ، وحكى : ترى زيدا منطلقا ، بمعنى : ألا ترى ؟ وكان الأخفش الأصغر يقول : أخذه من ألفاظ العامة . وقال الضحاك : الكلام إذا خرج مخرج التبكيت يكون باستفهام وبغير استفهام ، والمعنى : لو لم يقتل بني إسرائيل لرباني أبواي ، فأي نعمة لك علي فأنت تمنّ علي بما لا يجب أن تمنّ به . وقيل : اتخاذك بني إسرائيل عبيدا أحبط نعمتك التي تمنّ بها . وقال الزمخشري : وأبي ، يعني موسى عليه السلام ، أن يسمي نعمته أن لا نعمة ، حيث بين أن حقيقة إنعامه تعبد بني إسرائيل ، لأن تعبدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت . وتعبيدهم : تذليلهم واتخاذهم عبيدا ، يقال : عبدت الرجل وأعبدته ، إذا اتخذته عبدا ، قال الشاعر : علام يعبدني قومي وقد كثرت * فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان فإن قلت : وتلك إشارة إلى ما ذا ؟ وأن عبدت ما محلها من الإعراب ؟ قلت : تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة ، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها ؛ ومحل أن عبدت الرفع ، عطف بيان لتلك ، ونظيره قوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ